صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

112

شرح أصول الكافي

فان قيل : صفات اللّه تعالى مذكورة في سائر السّور . قلنا : لكن لهذه السورة خصوصية وهي انّها مع وجازتها مشتملة على عظائم اسرار التوحيد ، فتبقى محفوظة في القلب معقولة للعقل ، فيكون ذكر جلال اللّه حاضرا بهذه السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السّور . واما المعاني والنكات : فمنها ، ما سبق ، ومنها وجوه أخرى كثيرة لو ذهبنا إلى تفسير هذه السورة مستقصي لخرجنا عما نحن بصدده من شرح الأحاديث ، ولكن نذكر نموذجا ينبه « 1 » على الكثير لمن هو أهله . فنقول : قوله : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ثلاثة ألفاظ كل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات السالكين إليه تعالى : المقام الأول للمقرّبين وهم أعلى السائرين إلى اللّه ، فهؤلاء رأوا انّ موجودية الماهيات بالوجود وانّ أصل حقيقة الوجود بذاته موجود وبنفسه واجب الوجود متعيّن الذات لا بتعيّن زائد ، فعلموا انّ كل ذي ماهية معلول محتاج وانّه تعالى نفس حقيقة الوجود والوجوب والتعيّن ، فلهذا لما سمعوا كلمة « هو » علموا انه الحق تعالى ، لان غيره غير موجود بذاته وما هو غير موجود بذاته فلا إشارة إليه بالذات . والمقام الثاني مقام أصحاب اليمين ، وهؤلاء شاهدوا الحق موجودا والخلق أيضا موجودا فحصلت كثرة في الموجودات ، فلا جرم لم يكن « هو » كافيا في الإشارة إلى الحق بل لا بد هناك من مميّز يميز الحق عن الخلق ، فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقترن « 2 » لفظة « اللّه » بلفظة « هو » فقيل لأجله : هو اللّه ، لان « اللّه » هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه وهو مستغن عن كلّ ما عداه ، فيكون احدى الذات لا محالة ، إذ لو كان مركّبا كان ممكنا محتاجا إلى غيره ، فلفظ الجلالة دالّ على الأحدية من غير حاجة إلى اقتران لفظ أحد به . المقام الثالث مقام أصحاب الشمال ، وهو أدون المقامات واخسّها ، وهم الذين يجوزون كثرة في الواجب الوجود أيضا كما في أصل الوجود ، فقورن « 3 » لفظ أحد بكلمة « اللّه »

--> ( 1 ) - تنبيها - م - ط . ( 2 ) - يقرن - م - ط . ( 3 ) - فقرن - م - ط .